سِرارُ النبيّ للسيِّدة فاطمة

 

        وقد وقعت حادثة من سيدتنا فاطمة أوجبت تساؤل أزواج النبي صلى الله عليه وسلم عنها . وتلك الواقعة قصّها كثير من الأحاديث المرويّة عن علماءنا الأعلام كالبخاري ومسلم . وهي أن رسول الله دعا ابنته فاطمة في شكواه التي توفي فيها ، فأتت إليه مهرولة وبقربه جميع أزواجه صلى الله عليه وسلم ، فلمّا رآها قال : مرحبا يا ابنتي ، ثم ّأجلسها عن جنبه ، فسارها بشيء فبكت به وحزنت حزنا شديدا ، ثم دعاها مرة أخرى لما رآها تبكي فسارها بشيء فضحكت به .

فتساءلت أزواج النبي صلى الله عليه وسلم عن تلك الحادثة العجيبة لاسيما سيدتنا عائشة رضي الله عنها ، فقد شوقتها هذه إلى السؤال عمّا سارها النبيّ فيها فسألت السيدة فاطمة عن ذلك حيث جعلها باكية ثم ضاحكة وألـحّت في سؤالها ، لكن امتنعت فاطمة من إفشاء سر أبيه قبل وفاته . فلمّا قبض رسول الله صلى الله عليه وسلم  سألتها عائشة مرّة أخرى إرواء لغليلها ، فقالت : أما الذي سارني أبي أوّلا فإنه قال : إن جبريل كان يأتيني كلّ عام فيعارضني بالقرآن مرة ، وإنه آتاني العام فعارضني به مرتين ، ولا أظن إلا أن أجلي قد حضر فاصبري وتوكلي بالله . فبكيت لذلك . وأما الذي سارني ثانيا فإنه قال : أما ترضين أن تكوني سيدة نساء هذه الأمة أو نساء المؤمنين . فضحكت لذلك . رواه البخاري ومسلم .

        هكذا أخبرت فاطمة لعائشة عن أسرار النبي لها حين حضرته الوفاة . وفي رواية أخرى كما أخرجه ابن حبّان : إن الذي سارها النبي به ثانيا إعلامه إياها بأنها أول أهله لحوقا به ، فضحكت به لفهمها منه أنها تتبع أباها بعد وفاته قريبا .

        هكذا هو ما سارها النبي صلى الله عليه وسلم لأحبّ بناته فاطمة الزهراء رضي الله عنها . وبعد وفاته صلى الله عليه وسلم حزنت عليها فاطمة رضي الله عنها حزنا شديدا وصدعت قلبها ، لأنه أحب الناس إليها . وهو الذي يزورها ويؤدبها ويشير عليها بنصائح نافعة في وقائع حياتها . تلك الأمور هي التي أحزنتها في كرب عظيم ، لكن خفف الله تلك الكربات على نفسها بوجود الزوج الحنون يؤنسها ويحافظها وبأولادها الذين تأنست بهم .

       وعلى الرغم من ذلك لا يدفع أحزانها المقطعة كبدها حتى قال أهل السير والتاريخ : إنها لاتتبسم قط بعد وفاة أبيها إلا حين صنعت أسماء بنت عميس نعشا لها .

       وأسماء هذه هي التي تعين سيدتنا فاطمة في شؤونها ، فهما كالأختين الشقيقتين ، وهي زوج أبي بكر الصديق الخليفة الأولى في الإسلام . ومن هذا الزواج ولدت له محمد بن أبي بكر. وهذا الزواج يكون بأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد وفاة زوجها الأول جعفر بن أبي طالب الذي قتل شهيدا في المعركة .

       وأسماء من السابقين في الإسلام ابتداء ظهور الدين في مكة وقبل اجتماع المسلمين في دار الأرقم وهاجرت مع زوجها جعفر بن أبي طالب إلى الحبشة . وبعد وفاة زوجها الثاني أبي بكر الصديق تزوجت بعلي كرم الله وجهه ورزقهما الله من هذا الزواج ولدين  - وهما يحيى  ومحمد الأصغر وميمونة أم المؤمنين رضي الله عنها أخت لها من الأم ، فكانت العلاقة بين أسماء وأهل بيت الرسول صلى الله عليه وسلم وثيقة وطيدة جدّا تعين أهل بيت النبي على أمورهم وشؤونهم . فالله يكرمها ويرضى عنها بصنائعها .