أسوَةٌ حسَنةٌ

 

ومن التعليمات الدينية من الأب الحنون رسول الله صلى الله عليه وسلم لابنته فاطمة الزهراء رضي الله عنها ما روي عن ثوبان رضي الله عنه  قال : دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم على فاطمة وأنا معه ، وقد أخذت من عنقها سلسلة من ذهب فقالت : هذه أهداها لي أبو حسن . فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : يا فاطمة أَيسُرُّكِ أن يقول الناس : هذه فاطمة بنت محمد وفي جيدها سلسلة من النار ؟ ثم خرج صلى الله عليه وسلم ، فاشترت بالسلسلة غلاما فأعتقته . فقال النبيّ صلى الله عليه وسلم : الحمد لله الذي نجى فاطمة من النار . رواه النسائي وأبو داود والحاكم .

أيها القارئ المحترم .

 إن في هذا الحديث فوائد نجعلها عبرة ودرسا :

الأولى في استعمال القلادة من الذهب . إنّا نعلم أن لبس الذهب للنساء غير محرم شرعا . ونساء المؤمنين يلبسن الذهب في ذلك العصر ، ولكن لمّا رأت السيدة فاطمة رضي الله عنها تغيرا في وجه أبيها ونوعا من الغضب حين استعملت القلادة الذهبية خلعتها ولن تلبسها أبدا بعد اليوم ، ولن تدخرها في البيت ، بل باعتها ، فهي لن تفعل ما يجعل غضب أبيها ،  وهي تشتري بثمنها عبدا ثم تعتقه في سبيل الله تعالى ، ولا تشتري بثمنها خادما يعينها فيما تلقى من تعب وكلال في أعمال بيتها ، فإن وجود العبد في بيتها سيظل يحمل ذكر تلك القلادة في نفس أبيها ونفسها أيضا . فدقّة فهمها من تعليم أبيها تسرّه وترضيه .

هكذا كانت السيدة فاطمة تحب أباها وتسعى لإرضاءه وإسعاده . وتلك الواقعة من مقتضيات بُنُوَّتِهَا للرسول لتكون أسوة حسنة لمن بعدها من النساء  وهي بضعة من رسول الله صلى الله عليه وسلم . وتكون درسا لسيدتنا فاطمة رضي الله عنها وعبرة أيضا لنا معاشر المسلمين ، فإن النبي صلى الله عليه وسلم يضرب كثيرا بأهل البيت المثل والإعتبار . وليست تلك هي المرة الوحيدة التي يضرب بها النبيّ المثل ، فقد ضرب صلى الله عليه وسلم بها المثل في واقعة أخرى  وهي أن المرأة المخزومية سرقت حليّا وهي من أهل الشرافة والوجاهة ، وأشفق أهلها أن تقطع يدها ، فكلموا أسامة بن زيد حب الرسول وابن حبه ليستشفع النبي صلى الله عليه وسلم لتلك المرأة ، فلمّا أقبل أسامة ورآه الرسول صلى الله عليه وسلم قال : يا أسامة أتشفع في حد من حدود الله ؟ ثم وقف خطيبا وقال: أيها الناس إنما هلك من كان قبلكم ، أنهم إذا سرق فيهم الشريف تركوه ، وإذا سرق فيهم الضعيف أقاموا عليه الحدّ ، وأيم الله لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها . رواه البخاري ومسلم .

هكذا حزم الرسول صلى الله عليه وسلم في تنفيذ حدود الله تعالى . وهذا الحديث مشهور بين القضاة العادلين وجعلوه مثلا في حزمهم في تنفيذ حدود الله تعالى .

وقد وردت رواية في قصّة السيدة فاطمة وزوجها الإمام علي كرّم الله وجهه يحسن لنا معرفتها لنتخذ منها الفوائد والحكم ، وهي أنه حدث ذات يوم خلاف بين الإمام عليّ وسيدتنا فاطمة الزهراء ، فخرج علي من البيت ، فدخل النبي صلى الله عليه وسلم بيت فاطمة ولم يجد عليّا فيه ، فقال لها : أين ابن عمك ؟ قالت : كان بيني وبينه شيء فغاضبني فخرج  ولم يقم عندي ، فأرسل أحد أصحابه يبحث عن عليّ ليخبره عن مكانه ، فعاد الرجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال : هو نائم في المسجد . فذهب صلى الله عليه وسلم إليه وهو مضطجع في المسجد وأخذه النوم فسقط الثوب عنه وأصاب جسده بعض التراب  فذهب الرسول صلى الله عليه وسلم وأخذ يمسح التراب عن جسده ويداعبه ويقول له : قم أبا تراب ، قم أبا تراب . فلمّا سمع عليّ صوت الرسول صلى الله عليه وسلم قام فذهب إلى بيته وقبل أن يصل إلى بيته وجد سائلا يقوم ويسأله فقال لابنه الحسن : اذْهَبْ إلى أمّك قد تركت لها ستّة دراهم ، فاطلُبْ منها درهما . فذهب الحسن إلى أمه يخبرها بما أراده أبوه ، ثم رجع إلى أبيه بعد المحادثة مع أمها ، فقال : الدراهم المتروكة عندها تريد أن تشتري بها القمح ، فقال الأب : خذ الدراهم منها ، فذهب إلى أمه فأخبرها ما قال أبوه ، فأرسلت الدراهم إليه ، فأعطاها للسائل ، ثم جلس علي كرم الله وجهه أمام البيت فمرّ أمامه رجل بناقته التي سيبيعها فقال له عليّ : كم ثمن هذه ؟ قال : مائة وأربعون درهما ، قال : اشتريتها مؤجلا ، قال : نعم ، أجّلتها لك يا ابن عم رسول الله ، ثم عقلها وانطلق الرجل ، ثم مرّ رجل آخر وقال : لمن هذه الناقة ، فقال عليّ : هي لي ، قال : أتبيعها ، قال : نعم ، قال : كم ثمنها ، قال : مائتا درهم ، قال : اشتريتها بها ، فأخذها وأعطى ثمنها لعليّ . فذهب عليّ لقضاء الثمن المؤجل ، ثم رجع إلى بيته وأعطى الربح الذي بلغ ستين دراهم لزوجته فاطمة الزهراء ، فسألته عن ذلك ، وقالت : ما هذه ؟ قال : هذه ما وعدها الله على رسوله صلى الله عليه وسلم : مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أمْثَاِلــهَا .

هكذا حياة الزهراء مع زوجها الإمام عليّ رضي الله عنهما التي تكون لنا بها أسوة حسنة .