زواجها رضي الله عنها
لم يخف على الصحابة ما كان في ذات السيِّدة فاطمة الزهراء رضي الله
عنها من جمالها وفضلها وشرفها حتى دعاهم ذلك إلى خطبتها . فمنهم
سيدنا أبو بكر الصديق وسيدنا عمر رضي الله عنهما كانا يخطبان
الزهراء . ولكن الوحي الربّاني لم ينـزل في شأنهما ، فردّ عليهما
رسول الله صلى الله عليه وسلم ردّا جميلا قائلا لكل منهما أن
الإشارة الربّانية لم تنـزل بعد . ثم جاءا إلى عليّ كرم الله وجهه
ورَغَّبَاه في الإقدام على خِطْبَة ابنة الرسول صلى الله عليه وسلم
. وبعد تردُّد وإمعان نظر في إشارتهما تَشَجَّعَ وأخذ طريقه إلى
ابن عمّه صلى الله عليه وسلم ، فقبل الرسول تلك الخطبة بعد
المحادثة والمكالمة بينهما .
روي عن ابن مسعود رضي الله عنه أنه قال : قال رسول الله صلى الله
عليه وسلم : إنَّ اللهَ أمَرَنِيْ أنْ أُزَوِّجَ فَاطِمَةَ مِنْ
عَلِيٍّ . فامتلأ
قلب الرسول صلى الله عليه وسلم
سرورا بعد أن عقد الوليمة
على تزويج ابنته برجل شجاع مُتأدِّب بالأخلاق الكريمة وقد عرفه من
صغره ، بل هو حضينه الذي ربّاه وشيّده ، وهو يحبه لان منه تخرج
ذريته الذين يكونون خلفاءه في نصر الدين الحق .
وذكر أنس بن مالك رحمه الله أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم دعا
لهما بعد الوليمة وقال : جَمَعَ اللهُ بَيْنَكُمَا فِي خَيْرٍ
وَجَعَلَ بَيْنَكُمَا المَوَدَّةَ والرَّحْمَةَ وَبَارَكَ
عَلَيْكُمَا وأخْرَجَ لَكُمَا الكَثِيْرَ الطَّيِّبَ .
ولم تكن حياتها مترفّهة ولا ناعمة ، بل كانت أقرب إلى الخشونة
والتقشف . وكان عليّ كرم الله وجهه فقير المال ولم يستطع أن يستأجر
لها خادما يُعِيْنُهَا في أعمال البيت ، فكان على الزهراء أن تنفرد
بهذا العبء الثقيل ، فكانت تطحن البرّ وتخبـز الخبـز وتطبخ وتنظف
البيت وتسقي الماء وتغسل الثياب ، عملت كل ذلك بنفسها وربّت
أولادها أيضا بنفسها .
وكان قد جاءت للنبيّ صلى الله عليه وسلم من إحدى السرايا التي
أخرجها في سبيل الله وانتصرت على الأعداء غنائم كثيرة وسبايا ،
فقال عليّ كرم الله وجهه عند ذلك لزوجه فاطمة الزهراء : قد جاء
الله بِسَبْيٍ ، فاذهبي إلى أبيك فالتمسي واحدة تخدمك ، أظن أنه لا
يخيبك لمكانتك عنده . فأطاعته فذهبت إلى بيت أبيها ، فلمّا وصلت
إليه سألها : ما بك يا بنية ؟ قالت : جئت لأسلّم إليك . ومنعها
الحياء أن تسأله فيما جاءت لأجله ، ثم جاءت من حيث أتت لتنبئ زوجها
أنها تخرجت من أن تطلب من أبيها شيئا . فقام معها عليّ كرم الله
وجهه وصحبها إلى بيت النبي صلى الله عليه وسلم ليتحدث معه بلسانها
، فتولّى السؤال عنها وهي مطرقة من الحياء وغضَّتْ بصرها عن أبيها
في استحياء. فقال عليّ : إنها تريد خادمة تعينها على عملها ، فقال
رسول الله صلى الله عليه وسلم : لا، والله لا أعطيكما وأدع أهل
الصفّة تتلوى بطونهم لا أجد ما أنفق عليهم ، ولكن أبيع وأنفق عليهم
بالثمن . فانصرف عليّ كرم الله وجهه والزهراء رضي الله عنها
شاكرَيْنِ ، عِلْمًا بذلك ما أراده الرسول صلى الله عليه وسلم وما
فعله لأجله ، فإنه صلى الله عليه وسلم لم يقل إلا بالحق ولم يعمل
إلا بالخير .
ثم دخل الرسول في ذلك الليل بيتها ثم قال : ألا أخبركما بخير ممّا
سألتماني ؟ فأجابا معا : بلى يا رسول الله . قال صلى الله عليه
وسلم : كلمات علّمنيهنّ جبريل ، تسبحان دبر كل صلاة عشرا وتحمدان
عشرا وتكبران عشرا ، وإذا آويتما إلى فراشكما تسبحان ثلاثة وثلاثين
وتحمدان ثلاثة وثلاثين وتكبران ثلاثة وثلاثين . ثم ودعهما المصطفى
صلى الله عليه وسلم بعد أن زوّدهما بهذا المدد الإلهي ولقنهما هذه
الرياضة الزوجية التي تغلب المصاعب وتخفف المتاعب. فكان عليّ يواظب
على ذكر تلك الكلمات ويقول : فوالله ما تركتهنّ منذ علّمنيهنّ
لقد صدق الرسول صلى الله عليه وسلم في قوله : إن زخرف الحياة
الدنيا ومباهجها لم تكن لمحمد ولا لآل محمد . فإن أحبّ بناته كانت
حياتها في تعب وتقشف ، لأن زوجها فقير المال ولم يكن عنده إلاّ ما
أعطاه الله من الشجاعة والعلم والإيمان والجهاد في سبيله .
وقد أحبهما رسول الله صلى الله عليه وسلم حبّا شديدا لما روي عن
بريدة رضي الله عنه : كَانَ أحَبُّ النِسَاءِ إلَى رَسُولِ الله
صلى الله عليه وسلم فَاطِمَةُ وَمِنَ الرِّجَال عَلِيّ . رواه
الترمذي . وقد روى الترمذي أيضا أن عائشة رضي الله عنها سئلت : أيّ
الناس كان أحبّ إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ قالت : فاطمة .
قيل : ومن الرجال ؟ قالت : زوجها كان صوّاما قوّاما .
وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يجيء مرارا إلى بيت فاطمة رضي
الله عنها للمجالسة والمؤانسة معها ، ومع ولديها الحسن والحسين ،
بل كلما أراد سفرا يكون آخر عهده إتيان فاطمة ، وإذا قدم كانت
فاطمة أول من يدخل عليه ، لما روي عن ثوبان رضي الله عنه قال :
كَانَ رسول الله صلى الله عليه وسلم إذَا سَافَرَ يَكُوْنُ آخرُ
عَهْدِهِ إتْيَانُ فَاطِمَةَ وأوّلُ مَنْ يَدْخُلُ علَيْهِ إذا
قَدِمَ فَاطِمَةُ. رواه أحمد والبيهقيّ .
هكذا ما كان من حبّ المصطفى صلى الله عليه وسلم لسيدتنا فاطمة
وزوجها عليّ كرم الله وجهه . وما كان من حياتهما التي تتّسم بشظف
العيش ، وهما مع ذلك على رضا وقناعة وفي سكينة ووقار . فهما يعيشان
على تراحم وتوادد وتوافق ، فما أسعدهما .
عن عليّ كرم الله وجهه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم
لفاطمة : إنَّ اللهَ يَرْضَى لِرِضَاكِ وَيغْضَبُ لِغَضَبِكِ .
رواه الطبرانيّ .
ووقعت حادثة أضحكت رسول الله صلى الله عليه وسلم رواها عبد الله
بن عبّاس ، أنه دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم على عليّ
وفاطمة وهما يضحكان ، فلمّا رأياه سكتاه . فقال لهما النبي صلى
الله عليه وسلم : ما لكما كنتما تضحكان ، فلمّا رأيتماني سكتّما .
فبادرت فاطمة فقالت : بأبي وأمي يا رسول الله قال هذا : أنا أحبّ
إلى رسول الله منكِ . فقلت : بل أنا أحبّ إليه منكَ .فتبسم رسول
الله صلى الله عليه وسلم وقال : يابُنيّة لكِ رقة الوالد ، وعليٌّ
أعزّ عليَّ منكِ . رواه الطبرانيّ .
هكذا اللمحة اللطيفة من حياة السيدة فاطمة وزوجها عليّ كرّم الله
وجهه فرحها وحزنها .
|