حيَاتـُها رضي الله عنها بمكة

      

 قد تلقَّتْ السيدة فاطمة رضي الله عنها وتأَدَّبَتْ مُنْذ صغرها بالتعاليم الإسلامية مباشرة من أبيها رسول الله صلى الله عليه وسلم أفضل الناس وخيرهم خلقا . ونشأت في بيت النبوة ، فكانت ذات حظ وافر من إرث رسول الله صلى الله عليه وسلم في سماته العليَّة وأخلاقه الكريمة التي تحلَّى بها الرسول صلى الله عليه وسلم بتأديب من الله كما ثبت ذلك في قوله صلى الله عليه وسلم : أَدَّبَنِي رَبِّيْ فَأَحْسَنَ تَأْدِيبِيْ .

وكذلك قد تحمَّلت السيدة فاطمة رضي الله عنها على ما تحمَّل عليه أبوها رسول الله صلى الله عليه وسلم من أنواع الأذيَّة والتهديدات من كفار قريش ، تتأذَّى وتتألَّم بما رأت في أبيها من إيذاء قريش وسبهم إيَّاه صلَّى الله عليه وسلَّم وما سكتت السيدة فاطمة على ذلك ، بل تحرَّكت للدفاع عن أبيها بكل طاقة من أذِيَّاتِ قومِه الكافرين .

ومن أشد المحن والبلِيَّاتِ التي أوصلها الكفار للنبي صلى الله عليه وسلم وأهله حصارهم المحكم . أقام الرسول وأهله على أسوار ذلك الحصار ثلاث سنين مع بني هاشم الذين تقدمهم أبو طالب في شعب حتى جهدوا . وقد أحكمت قريش الحصار ومنعتهم من مواصلة الناس حياة اقتصادية واجتماعية ، فأصابهم الجهد والتعب حتى اضطروا إلى أكل الأوراق حول الشعب ، فتضوَّر أكثرهم من أثر الجوع حتى أصابهم المرض . إن هذا كله بلا شك دليل على شدة ظلمهم وقساوة قلوبهم لا يبالون أصلا بالكرامة الإنسانية .

وقد لحقت تلك المحن والبلِيَّات السيدة فاطمة أيضا فأصابها المرض بها وصيَّرَتْهَا هزيلة الجسم نحيلة العود فخافت أمها خديجة الكبرى على نفسها مع طفولتها وصغرها .

ثم انجلت محنة الحصار ، ولكن المحن غيرها لم تنته بعد . فقد بدأت بعد فك الحصار محنة أخرى على رسول الله صلى الله عليه وسلم بموت عمه أبي طالب الذي كان حصن الدفاع عنه للدعوة الإسلامية . فاشتد حزنه صلى الله عليه وسلم لأن عمه كان في مرتبة الأب له ، يُرَبِّيْهِ ويحميه منذ صغره صلى الله عليه وسلم . ثم بعد ثلاثة أيام من وفاة عمه ابْتُلِي الرسول بوفاة زوجته أم المؤمنين السيدة خديجة الكبرى رضي الله عنها ، وهي أحب نسائه إليه . فهذا ابتلاء شديد لرسول الله صلى الله عليه وسلم لكونها زوجة سعيدة تصاحبه وتعينه على همومه وأحزانه . وقد أنفقت مالها وأهلكته في الدفاع الداخلي للنبي صلى الله عليه وسلم وعاونته أيضا في نشر الرسالة الإسلامية والدعوة الإسلامية ولاسيما بجماعة النساء من قومه . فكان موتها أحْزَنَهُ حزنا شديدا فصار هذا العام في التاريخ الإسلامي معروفا بعام الحزن .

ما تحمَّل عليه الرسول صلى الله عليه وسلم من تلك الأحزان والهموم تحمَّلت عليه أيضا ابنته فاطمة الزهراء رضي الله عنها ، وبكت بموت أمها خديجة الكبرى رضي الله عنها التي كانت تُرَبِّيْهَا وتحرسها وتحنى عليها فحزنت السيدة فاطمة على موتها حزنا شديدا حتّى صيرها هزيلة الجسم .

قد اشتدت هذه المحن المتلاحقة والأحزان المتلاصقة على السيدة فاطمة منذ طفولتها ، واستقبلت الحياة الجديدة بمصاعبها ومشاقها التي يجب عليها أن تتحمل عليها إدراكا منها لمعنى ومقتضى بُنُوَّتِهَا للعبد الذي أصبح نبيا مرسلا .

وقد روى البخاري في صحيحه حديثا في فضل أم المؤمنين خديجة الكبرى رضي الله عنها ، وهو أن جبريل عليه السلام أتَى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : يا رَسُولَ الله هَذِهِ خَدِيجَة قَدْ أَتَتْ وَمَعَهَا إنَاءٌ فِيهِ إدامٌ  أوْطَعامٌ أوشَرابٌ . فَإذَا هِي أتَتْكَ فَاقْرَأ عَلَيْهَا السَّلاَمَ مِنْ رَّبِّهَا وَمِنِّيْ وَبَشّرهَا بِبَيْتٍ في الجَنَّةِ مِنْ قَصَبٍ لاَ صَخْبَ فيهِ وَلاَ نَصَبَ . فَلَمَّا أخْبَرَهَا الرَّسُولُ صلى الله عليه وسلم قَالَتْ : هُو السَّلاَمُ وَمِنْهُ السَّلاَمُ وَعَلَى جِبْرِيْلَ السَّلاَمُ .

سمعت السيدة فاطمة وأخواتها رضي الله عنهن تلك البشرى التي بشَّر بها الله أمَّها خدبجة الكبرى رضي الله عنها أنـَّها الأم التي استحقت تلك البشرى التي بعثها الله إليها مع جبريل عليه السلام ، جزاء لما عملته في الدفاع والنصر لرسول الله صلى الله عليه وسلم . وقد أنفقت مالها وثرواتها على الدفاع الداخلي لزوجها في نشر الدعوة الإسلامية .

ولها فضل آخر وهو أنها من أفضل نساء أهل الجنة الأربع . قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : أفْضَلُ نِسَاءِ أهْلِ الجَنَّةِ خَدِيجَةُ بِنْتُ خُوَيْلِدٍ وَفَاطِمَةُ بِنْتُ مُحَمَّدٍ وَمَرْيَمُ بِنْتُ عِمْرَانَ وَآسِيَةُ بِنتُ مُزَاحِمٍ . رواه الترمذي وأحمد . هكذا أم المؤمنين السيدة  خديجة الكبرى رضي الله عنها التي فضَّلها الله بالخصائص والمناقب . وقد تُوُفِّيَتْ عن أحبِّ بناتها فاطمة وسائر أهلها .

ففي مدة قصيرة ما بين ثلاثة أيام فقد رسول الله ناصِرَيْنِ لَهُ ، وهما زوجته  خديجة الكبرى رضي الله عنها وعمُّه أبوطالب . إنا لله وإنا إليه راجعون .

ثم بعد وفاة عمه أبي طالب اشتدَّ إيذاء قريش وتَعَرُّضُهم للنّبيّ صلى الله عليه وسلم ظلما وعداء ، حتى قال الرسول : مَانَالَتْ مِنِّي قُرَيْشٌ شَيْئًا أَكْرَهُهُ حتّى ماتَ أبوطالب .

وكل ما حاولوه من استهزاء وسب وتحقير وغيره من الأذية لرسول الله صلى الله عليه وسلم لايريدون به إلاّ صدّا للدعوة الإسلامية ومنعها ، بل تجرّأ سفيه منهم على نثر التراب على رأس رسول الله صلى الله عليه وسلم ، لكن تحمّله الرسول بالصبر والجلد فدخل بيته والتراب على رأسه . ولمّا رأت السيدة فاطمة رأس أبيها مملوءا بالتراب قامت إليه ، فجعلت تـُـزِيْلُ عنه التراب وتغسله عنه وهي تبكي وتتألّم من المصائب والمشاقّ التي لا تزال ألصقها كفار قريش لأبيها صلى الله عليه وسلم . فلمّا رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم أحبّ بناته تبكي نصحها بأن تصبر وتتوكل على الله فمسح رأسها قائلا لها : لاتَبْكِ يَابُنَيَّةُ .

ولايقتنع الكفار  بتلك المصاعب ، بل زادوا وشدّدوا في إيذائهم للنبيّ صلى الله عليه وسلم . وقد روى البخاري حديثا أنه صلى الله عليه وسلم كان يصلي عند البيت ومعه عبد الله بن مسعود وصهيب بن سنان الرومي وعمّار بن ياسر وأبو جهل وأصحاب له ، وهم عقبة بن أبي معيط وعتبة بن ربيعة وأمية بن خلف وشيبة بن ربيعة وغيرهم من رؤساء قريش يجلسون قريبا منه . فبينما هم ينظرون إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يسجد ، إذ قال عمرو بن هشام وهو اسم أبي جهل لأصحابه  : أيّكم يجيء بِسَلى جزور بني فلان فيضعه على ظهر محمد إذا سجد ، فانبعث أشقى القوم وهو عقبة بن أبي معيط فجاء به فنظر حتى إذا سجد النبي صلى الله عليه وسلم وضعه على ظهره بين كتفيه ، فجعلوا يضحكون ورسول الله صلى الله عليه وسلم ساجد لا يرفع رأسه . فلمّا لم يكن لصهيب الرومي منعة من شرهم وهو أحد الثلاثة الذين صاحبوا الرسول صلى الله عليه وسلم ذهب مسرعا إلى بيت الرسول ليخبر السيدة فاطمة بما وقع لأبيها . ولمّا أخبرها جاءت مهرولة نحو أبيها ساجدا ، فأخذت السلى على ظهره الطاهر وطرحته عنه، ثم أقبلت عليهم تشمتهم ولم يزل الرسول صلى الله عليه وسلم يسجد ، فرفع رأسه فقال : اللهم عليك بكفار قريش ، ثم سمّاهم واحدا بعد واحد : اللّهم عليك بأبي جهل وعليك بعتبة بن ربيعة وشيبة بن ربيعة والوليد بن عتبة وامية بن خلف ، فلمّا سمعوا صوته ذهب عنهم الضحك وخافوا دعوته صلى الله عليه وسلم عليهم . وقد صرع كل من دعا عليهم الرسول صلى الله عليه وسلم في وقعة بدر .

هكذا ما كان من حياة فاطمة رضي الله عنها قي مكة ونصرتها لأبيها صلى الله عليه وسلم  من إيذاء كفار قريش.