ذريّتـها رضي الله عنها

 

 

        وللسيّدة فاطمة رضي الله عنها من الأولاد ثلاثة ذكور وهم الحسن والحسين والمحسن رضي الله عنهم وأنثيان  وهما أمّ كلثوم  وزينب رضي الله عنهما .

        فأما أم كلثوم فتزوجها سيّدنا عمر بن الخطاب رضي الله عنه . وأمّا زينب فتزوّجها سيّدنا عبد الله بن جعفر بن أبي طالب . وأمّا السيّد المحسن فقد مات في صغره . وأما السيّدان الحسن والحسين رضي الله عنهما فقد ذكر في كتب التاريخ أنهما إماما أهل البيت اللذين تسلسلت منهما ذرّية الرسول صلّى الله عليه وسلّم الطاهرة .

       لماذا سمّيت ذرّيّة السيّدة فاطمة بذرّية الرسول صلّى الله عليه وسلّم وهل أولئك الشرفاء موجودون الآن ؟

      إنّ من فضل السيّدة فاطمة رضي الله عنها أو فضل اختصاص أن سُمِّيَتْ ذرّيّتها بذرّية الرسول صلّى الله عليه وسلّم . وذلك مطابق لما ذكره الرسول صلّى الله عليه وسلّم أنّ أولادها انتسبوا إليه بخلاف سائر الأولاد ، فإنهم منتسبون إلى آبائهم .

       قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم : كُلُّ بَنِيْ أُنْثى فَإِنَّ عَصَبَتَهُمْ ِلأَبِيْهِمْ مَاخَلاَ وَلَدَ فَاطِمَةَ فَإِنِّيْ أَنَا عَصَبَتُهُمْ وَأَنَا أَبُوْهُمْ . رواه الطبراني .

       وذكر الإمام أبو بكر السيوطي في الجامع الصغيرالجزء الثانى منه صفحة: 92 ، أنّ رسول الله صلّى الله عليه وسلّم قال : كُلُّ بَنِيْ آدَمَ يَنْتَمُوْنَ إلَى عَصَبَةٍ إلاّ وَلَدَ فَاطِمَةَ ، فَأنَا وَلِيُّهُمْ وَأَنَا عَصَبَتُهُمْ .

      وكذا ذكر الشيخ محمد عبده في تفسيره المنار أن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم قال : كُلُّ وَلَدِ آدَمَ عَصَبَتُهُمْ ِلأَبِيْهِمْ مَا خَلاَ وَلَدَ فَاطِمَةَ فَإِنِّيْ أَبُوْهُمْ وَعَصَبَتُهُمْ . فلذا سميت ذريّة السيّدة فاطمة رضي الله عنها بذرّية الرسول صلّى الله عليه وسلّم .

       ولها فضل آخر ، وهو أن ذرّيتها لم تنقطع إلى يوم القيامة ، كما ذكره رسول الله صلّى الله عليه وسلّم ، وذرّية غيرها منقطعة ومنقرضة . قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم : كُلُّ نَسَبٍ وَسَبَبٍ مُنْقَطِعٌ يَوْمَ الْقِياَمَةِ إِلاَّ نَسَبِيْ وَسَبَبِيْ. رواه الطبراني والحاكم والبيهقي .

       كان سيّدنا عمر بن الخطاب رضي الله عنه ذات يوم  جاء إلى سيّدنا عليّ كرّم الله وجهه لخطبة ابنته السيّدة امّ كلثوم رضي الله عنها ، فلمّا أظهر عمر رضي الله عنه مقصوده من الخطبة قال له عليّ كرّم الله وجهه : إنّ ابنتي لم تزل صغيرة ، فأمره أن يخطب ابنة أخيه جعفر بن أبي طالب رضي الله عنه ، فذكر عمر رضي الله عنه أنّ تلك الخطبة من أجل سماعه قول الرسول صلّى الله عليه وسلّم : كُلُّ نَسَبٍ وَسَبَبٍ مُنْقَطِعٌ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِلاَّ نَسَبِيْ وَسَبَبِيْ . رواه الطبراني . فقبل عليّ خطبته ، فكان يخرج من ذلك الزواج المبارك ولدان ، زيد ورقيّة رضي الله عنهما . فزواج عمر بن الخطاب بابنة عليّ كرّم الله وجهه دليل على حسن الإرتباط بينهما ولم يكن بينهما تباغض ولا تحاقد . فلو كان بينهما تباغض لـردّ على خطبته .

       وبهذا ظهر كذب الشيعة وافتراءهم أن بين عليّ أو فاطمة وعمر تباغضا وتحاقدا ، بل  قد ذكر في كتب التاريخ أنّ عليّا معروف بمستشار الخليفة عمر بن الخطّاب رضي الله عنه ومشيره الخاص . ووضع أكابر الشيعة حول زواج عمر رضي الله عنه قصصا كاذبة . منها أنّ أمّ كلثوم التي تزوّجها عمر ليست بنت عليّ كرّم الله وجهه ، بل هي جنّيّة تتشكّل بصورة السيّدة أمّ كلثوم .

       وفي قصّة كاذبة أخرى ذكروا أنّ تزويج عليّ كرّم الله وجهه ابنته بعمر رضي الله عنه كان تقيّة ، فهو زواج صوريّ وليس بحقيقيّ . وهذه دعوى باطلة فكيف يولد لهما من ذلك الزواج زيد ورقيّة لو كان الزواج على تقيّة ؟ مع أنّه قال عمر رضي الله عنه للناس : ألاَ تُهَنّـئُـوْنَنِيْ وقد سمعت رسول الله صلّى الله عليه وسلّم يقول : يَنْقَطِعُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كُلُّ سَبَبٍ وَنَسَبٍ إلاَّ سَبَبِيْ وَنَسَبِيْ . رواه الطبرانيّ .

        فلهذا لو قال أحد أنّ نسب الرسول صلّى الله عليه وسلّم قد انقرض وانقطع فقد كذب ، فإنّه مخالف لما قرّره نبيّنا محمد صلّى الله عليه وسلّم مؤيّدا بتصديق العلماء وأهل السير رحمهم الله .

       وفي الحقيقة أننا لم نتعجّب من أقوال أولئك النواصب ، فقد انتمى إلى ذلك أيضا بعض السفهاء على عهد رسول الله صلّى الله عليه وسلّم من نتائج بغضهم لرسول الله صلّى الله عليه وسلّم . أمّا هؤلاء المعاصرون القائلون بالإنقراض فليس من أجل بغضهم لرسول الله صلّى الله عليه وسلّم ، لكن من أجل جهلهم بسير أهل البيت أو من حقدهم وحسدهم على نعمة الإنتساب إليه صلّى الله عليه وسلّم التي هي نعمة لا يعدّ لها شيء . وتلك النعمة فضل اختصاص يؤتيه الله لمن يشاء. وقال الله تعالى : أَمْ يَحْسَدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا آتَاهُمُ اللهُ مِنْ فَضْلِهِ  (النساء : 54) .

       وهم لا يشعرون أنهم خاسرون لا يستفيدون من أعمالهم شيئا في التمسّك تلك الأقوال الباطلة ، فإنّها لو دقّقنا النظر إليها لكان ردّا للنصوص الصريحة من رسول الله صلّى الله عليه وسلّم . عسى الله أن يشرح لهم صدورهم حتى يرجعوا إلى الطريق المستقيم وأن يغفر الله لهم ذنوبهم .

       وننقل لكم فيما يلي فتوى العالم بالمملكة العربيّة الوهّابي مسلكا الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز . ذكرت في مجلّة المدينة صفحة 9 بعدد 5692 تاريخ السابع من شهر محرّم 1402 هجريّة الموافق للرابع وعشرين من شهر أكتوبر سنة 1982 ميلادية  أنّه قد سأله عراقيّ عمّن ادّعى أنّه من ذرّيّة الرسول صلّى الله عليه وسلّم ، فقال : إنّ مثل ذلك المدّعين موجودون في كثير من الأماكن والبلدان ويعرفون أيضا باسم الشرفاء . والذين عندهم المعرفة بهذا الشأن يقولون أنّ أولئك من ذرّية رسول الله صلّى الله عليه وسلّم . فمنهم من اتّصل نسبه بالسيّد الحسن رضي الله عنه ، ومنهم من اتّصل نسبه بالسيّد الحسين رضي الله عنه . ومنهم من اشتهر باسم السادة ، ومنهم من اشتهر باسم الشرفاء . وهذا مشاهد لعامّة الناس في اليمن وغيرها . وأمّا تعظيمهم وتفضيلهم وإعطائهم الحقوق التي يستحقونها فمن أفضل الأعمال وأحسنها .

       وقد حذّر رسول الله صلّى الله عليه وسلّم أمّته في حقوق أهل بيته ، فقال : أُذَكِّرُكُمْ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِيْ أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِيْ أَهْلِ بَيْتِيْ أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِيْ أَهْلِ بَيْتِيْ . ذلك من فتاوى الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز في وجود ذرّيته صلّى الله عليه وسلّم .

        أيّها القارئ الكريم

       وبعد ما نقلت لكم فتوى الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز أنقل لكم فيما يلي مقالة الشيخ العلاّمة الدكتور محمد عبده الذي كتب تاريخ أهل البيت ووزير الإعلام السابق للمملكة السعودية . ورسالاته كثيرة ومعروفة في العالم الإسلامي .

       قال في رسالته المسمّاة بـــ "عَلِّمُوْا أوْلاَدَكُمْ مَحَبَّةَ أَهْلِ بَيْتِ النَّبِيّ " صفحة ثلاثين بالطبعة الثانية حين بحث عن السادة والشرفاء . والخلاصة أنّ السادة والأشراف هم من ذرّية فاطمة الزهراء رضي الله عنها وسيّدنا عليّ كرّم الله وجهه . ولا فرق بين اللقبين من ناحية النسب وشرف الإنتماء إلى سيّدنا رسول الله صلّى الله عليه وسلّم ، فكلّهم لرسول الله صلّى الله عليه وسلّم منتسب ، وكلّهم حرى بالتقدير والإحترام والمودّة امتثالا لأمر الله عزّ وجلّ : قُلْ لاَ أَسْأَلُكُمْ أَجْرًا إِلاَّ الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى .

        وممّا هو جدير بالذكر أنّ الذرّيّة الطاهرة من نسل السِّبْطَيْنِ الكَرِيْمَيْنِ الحسن والحسين منتشرة في معظم الأقطار الإسلاميّة . ولهم حيثما وجدوا كبيرهم الذي يرجعون إليه في الأمور المهمّة ، وغالبا مَّا يكون من العلماء الفضلاء ، ويحمل لقب نقيب الأشراف ، ويحتفظ بشجرة النسب الشريف المبين لأرومة آل البيت سواء كانوا من جهة جدّهم الحسن أو الحسين رضي الله عنهما .

        وقد نجد بعض آل البيت منتسبين إلى الحسن والحسين مباشرة . وقد يحملون ألقابا أخرى تبعا للجدّ الذي ينتسبون إليه .

        وقد هاجر بعض آل البيت من أحفاد الحسين رضي الله عنه من البصرة إلى الحجاز في أوائل القرن الرابع الهجري ، ثمّ إلى حضر موت حيث كان شرق الجزيرة العربية تحت سيطرة الخوارج وتأثير القرامطة . وفي حضر موت نشط آل البيت في الدعوة إلى نبذ تلك المذاهب الهدّامة والعودة إلى الإسلام الصحيح نشروا المذهب الشافعيّ ، ولقي آل البيت تأييدا كبيرا وخاضوا معارك مظفرة حتى تاب كثيرة من المنحرفين ، وعادوا إلى النهج المستقيم وقضى على أهل الأهواء والأحقاد . ثمّ ما لبث بعض آل البيت أن ركبوا البحر إلى الشواطئ الهنديّة بقصد التجارة والدعوة إلى الله عزّ وجلّ ، فحقّقوا نجاحا آخر كبيرا هناك . ثمّ هاجر بعض هؤلاء من الهند جزر أرخبيل بحر الصين للتجارة والدعوة إلى الإسلام ، وخرج بعضهم من حضر موت مباشرة إلى تلك الجزر حاملين معهم الرسالة الإسلاميّة . وقد لقي هؤلاء نجاحا كبيرا في الدعوة ، فدخل في الإسلام كثير من الناس . وأصهر بعضهم إلى الملوك والأمراء في تلك الجزر فتأسّست دول إسلاميّة ، ونشط هؤلاء مع سكّان البلاد للدعوة ، وكانت لهم سفن خاصّة لهذا الغرض تحملهم إلى تلك الجزر التي تعدّ بالآلاف . وبذلك انتشر الإسلام في جزر ماليزيا وإندونيسيا والفلبين والملايو وجاوة وصومطرا ، ثمّ نزل بعض هؤلاء الدعاة في الصين فوصل إلى بورما وتيلاندا وكمبودا وكثير من البلاد المجاورة .

        واستقرّ المهاجرون من أهل البيت في تلك البلاد النائية بعد أن توثّقت صلاتهم وروابطهم الإجتماعيّة ومصالحهم الدينيّة والدنيويّة مع سكّان البلاد الأصليّين . ومازالوا محتفظين بأنسابهم التي تربطهم بآل البيت وبأخلاقهم الرفيعة وشمائلهم الكريمة حتى هذه الأيّام . وكذلك الحال في الهند وباكستان وسائر البلاد الإسلاميّة . ولم تقتصر هجرة آل البيت إلى الهند والصين وجزر أرخبيل جنوب شرق آسيا ، بل ركب بعضهم إلى أفريقيا في شواطئها الشرقيّة والجنوبيّة .

        وأولئك الذرّية الطاهرة موجودون بكثرة بإندونيسيا واشتهروا باسم الحبائب . وكان الثمانية من الأولياء التسع الذين هم نشروا الإسلام في جاوى من ذرّية فاطمة رضي الله عنها ، وهم علويّون من أهل بيت الرسول . وأسلم أكثر شعب إندونيسيا حوالي مائتي مليون من مجموعهم - الآن بدعوتهم  . وهم ينقذون الإندونيسيين من الضلالة . وهذا موافق لما ذكره الرسول صلّى الله عليه وسلّم أنه قال : ألاَ إِنَّ مَثَلَ أَهْلِ بَيْتِيْ فِيْكُمْ مَثَلُ سَفِيْنَةِ نُوْحٍ مِنْ قَوْمهِ ، مَنْ رَكِبَهَا نَجَا وَمَنْ تَخَلَّفَ عَنْهَا غَرِقَ. رواه الحاكم .

        وذلك فضل اختصاص من الله تعالى لذرّيّة فاطمة رضي الله عنها . قال الله تعالى : ذلِكَ فَضْلُ اللهِ يُؤْتِيْهِ مَنْ َيشَاءُ وَاللهُ ذُوْ الْفَضْلِ الْعَظِيْمِ  (سورة الجمعة : 4) .

        ومع الأسف أنّ كلّ ما حصله العلويّون وما بذروه أفسده قوم منهم في هذه العصر . والسبب في ذلك بُعدهم من طريقة أسلافهم حتّى تُزَعْزِعَهُمْ المفاهيم المتنوّعة بسهولة فيقعوا في الضلالة وهم لا يشعرون .

        وانتشار مذهب الشيعة في إندونيسيا يكون سببا لفساد عقائد العلوييّن وسوء أخلاقهم . وفساد أخلاقهم الناشئ من فساد العقائد متحقّق كما شاهده الناس بأعينهم في هذه الأيّام . وكان الأصاغر منهم سابقا يكرّمون ويعظّمون الأكابر. والآن نجد الأصاغر منهم لا يعظّمون الأكابر لكونهم يتأثّرون بتعاليم الشّيعة ويغترّون بها ، بل كانوا ينتقصون أسلافهم ويتجسّسون ويخطّئون أيضا طريقهم ، مع أنّه لا يخفى على الناس نجاح أسلافهم في الدعوة الإسلاميّة ، فإنّ أهل هذه البلاد لم يعرفوا الإسلام من قبل ، وبدعوتهم أصبح أكثرهم يعرفون الإسلام ويدخلون فيه .

        وكان اتِّحَادُ أكابر العلويّين قد انعقد منذ زمان طويل وإن لم تربطهم منظّمة خاصّة ، فقد جمعهم عقيدة صحيحة وهي عقيدة أهل السنّة والجماعة.

        ولكن لمـّا ظهرت مذاهب الشيعة اغْتَــرَّ بعض العلويّين بها ، فافترقوا وصارت الفرقة المتمسّكة بمذاهب أسلافهم  وهي المذاهب الحقّة أعداء للفرقة المغتــرّة بمذاهب الشيعة ، بل كانت تلك الفرقة معتزلة من حياة العلويّين ، وكأنّهم مرض السرطان الشرس الذي أصاب الجسم الصحيح ، ولو تركناهم على ما هم عليه لشوّهوا صورة العلويّين أمام الشعب الإندونيسيّ الذين أكثرهم على عقيدة أهل السنّة والجماعة .

       وظهر بعد الفحص من قسم البحث والتفتيش لمؤسّسة البيّنات أنّ الذين اغترّوا وانخدعوا بمذاهب الشيعة بعضهم من العلويّين المشبوهين . وكانت الوسائل التي استعملتها الشيعة في نشر مذهبهم كوسائل النصارى في تأثيرهم على المسلمين مثل إعطاء المال وغيره ، فانخدع بذلك كثير من المسلمين بمذاهب الشيعة حتّى خرجوا عن الإسلام الأصيل الذي جاء به الأولياء التسعة ودخلوا في عقيدة الشيعة الإماميّة الإثني عشريّة التي جاء بها الرجال المتخرّجون من إيران .

       عسى الله أن يهديهم فيرجعوا إلى الطريق الأقوم التي جاء بها أسلافهم العلويّون .

       هكذا نبذة يسيرة من سير ذرّية فاطمة الزهراء رضي الله عنها . حفظهم الله من أعداءهم وجعلنا ممـّن أحبّهم بأمر رسول الله صلّى الله عليه وسلّم  آمين .