وََفَـاة الزََّهرََاء رضي الله عنها

 

 

        لقد حقَّق الله ما أسرّه  المصطفى صلى الله عليه وسلم  لأحبّ بناته السيّدة  فاطمة رضي الله عنها أنها تلحق أباها بعد وفاته ، فماتت بعد وفاة أبيها بستّة أشهر ليلة الثلاثاء من شهر رمضان سنة إحدى عشرة من الهجرة ، وكان عمرها حينئذ ثماني وعشرين سنة .

        وانتشر الخبر بوفاتها إلى المدينة ، فاجتمع الناس مقبلين إلى عليّ كرّم الله وجهه للتعزية يغشاهم الحزن الشديد ، لأنه قد مات في مدّة ستة أشهر امرءان محبوبان لهم النبيّ صلى الله عليه وسلم  وابنته التي تكون أسوة لهم . فهذا من غير إرادتهم واختيارهم ، فإن الزهراء حبّهم وحرمتهم . فغسَّلها زوجها عليّ كرّم الله وجهه وأسماء بنت عميس زوج أبي بكر الصدّيق إمْضَاءً لوصيّتها قبل الوفاة . وصلّى عليها الصحابة يؤمّهم الإمام عليّ كرّم الله وجهه . وفي رواية أنّ الّذي يؤمّهم عمّه العبّاس بن عبد المطلب . ودفنت بالبقيع قريبا من المسجد النبويّ ، ونزل في قبرها الإمام عليّ والعبّاس بن عبد المطلب والفضل بن عبّاس .

        هكذا رجعت فاطمة الزهراء إلى ربّها ، وعمّ المدينة الهموم والأحزان على موت الإبنة المحبوبة فاطمة الزهراء ، وقد ودعت الأولاد الصغار .

        كانت الزهراء رضي الله عنها كريمة الأخلاق نبيلة النفس غراء المكارم لا يقترب منها الزهو ولا الخيلاء ، بل خافضة الجناح على الرغم أنها ابنة الرسول صلى الله عليه وسلم . وكانت ضاحية المحيّا في هوادة إلى سعة أناة ورحابة صدر وسماحة ، ولم يكن في قلبها غلّ على أحد حتّى لُقِّبت بسيّدة نساء أهل الجنّة ، فإنّ الغلّ ليس من أوصاف أهل الجنّة . ولذا لا نسلم قول من قال : أنها ماتت بسبب الحنق والإمتعاض على الغير لأمر دنيويّ . فهذا إهانة وتنقيص على أحبّ بناته صلى الله عليه وسلم فاطمة الزهراء رضي الله عنها .

        وكانت لا تنطق إلاّ بالصدق كما شهدت لها السيدة عائشة رضي الله عنها ، فإنها قالت للنبيّ صلى الله عليه وسلم : يارسول الله سَلْهَا ، فإنها لا تكذب . وانضمّ إلى ذلك أنها كانت صابرة على المحن والبلايا راضية بعيشها قانعة بحالها على الرغم من أن معيشتها كانت متقشِّعة ، فهي قانعة باليسير صابرة على شظف الحياة مع أنها ابنة الإمام الأعظم . هكذا ما كان من أوصاف الزهراء رضي الله عنها العليّة .

        وكل ما ذكرته قريبا هو من عقائد أهل السنة والجماعة وشهاداتهم ، فلا نسلم ما في كتب علماء الشيعة التي تؤدِّي إلى تحقير وتنقيص لجناب الزهراء الزكيّة رضي الله عنها .

وزيادةً على معلومات القارئ نفحص الآن عن نصوص الكتب المؤدّية إلى تحقير السيّدة فاطمة رضي الله عنها خاصّة وتحقير أهل البيت عموما ، وهي ما كتبها علماء الشيعة وجعلوها عقيدتهم وهم يدّعون بأنهم يُحبُّون أهل بيت المصطفى صلى الله عليه وسلم .

        منها أنّ السيّدة فاطمة كانت وفاتها بسبب الحنق والإمتعاض على اغتصاب أبي بكر لأموالها من أبيها .

        أيها القارئ الكريم .

        هل من اللياقة والمعقول أنّ بالسيدة فاطمة الزهراء رضي الله عنها حقدا وامتعاضا على الغير ، لاسيما على أبي بكر صاحب أبيها المناصر له في جميع مراحل حياته ، لأنها كما هو معلوم علما ضروريّا ابنة رسول الله تلقّت التعليمات الدينيّة من أبيها مباشرة ، ولابد أن ترث من أبيها الطبائع والأخلاق الفاضلة المثالية مثل العفو عند المقدرة وحسن الظنّ بالآخرين وسائر الشمائل الحميدة حتّى وصفها رسول الله صلّى الله عليه وسلّم بأنها سيّدة نساء أهل الجنّة .

       فنقطع بالضرورة أنّ السيّدة فاطمة رضي الله عنها ليس عندها حقد وحسد وبغض لأكابر الصحابة ، لأنّها ليست من أوصاف أهل الجنّة ، بل لديها السمات الفاضلة والأخلاق الكاملة .

       فكلمة الحقد المذكورة في القصّة الشيعيّة بالطبع سبّةٌ للسيّدة فاطمة ، تدلّ على إهانتها وتحقيرها وتدلّ على شقاوة الناطق بالكلمة من الروافض .

       وأما ميراث رسول الله صلّى الله عليه وسلّم  فإنّ السيّدة فاطمة رضي الله عنها والإمام عليّا كرّم الله وجهه وأزواجه صلّى الله عليه وسلّم وسيّدنا العبّاس اقتنعوا بحكم سيّدنا أبي بكر الصدّيق رضي الله عنه ، بأنها لا تأخذ ميراثا ماليّا من أبيها سيّدنا رسول الله صلّى الله عليه وسلّم لموافقته على ما أمر الرسول صلّى الله عليه وسلّم . وهذا الحكم لا يزال مستمرّا ينفذه الخلفاء الأربعة  ومنهم سيدنا عليّ كرّم الله وجهه زوج فاطمة الزهراء وأبو أولادها .

        فلو كان حكم سيّدنا أبي بكر رضي الله عنه باطلا في اجتهاد عليّ كرّم الله وجهه لَنَقَضَهُ وأبْطَلَهُ من أساسه ولأَعْطَى الأملاك والتركات النبويّة لأهلها المستحقّين كسائر المواريث .

        وهذا هو حكم أبي بكر الصدّيق رضي الله عنه في ميراث رسول الله صلّى الله عليه وسلّم ، ومستنده الذي لم ينكر عليه أحد من الصحابة هو قوله صلّى الله عليه وسلّم : نَحْنُ مَعَاشِرَ الأنْبِيَاءِ لا نُوْرث ، مَا تَرَكْنَاهُ صَدَقَةٌ . رواه البخاريّ . وذكر في الكتب الحديثيّة أنّ من جملة رواة هذا الحديث سيّدنا عليّا كرّم الله وجهه .

        وبموجب هذا الحديث فما تركه رسول الله صلّى الله عليه وسلّم من أرض فدك وغيرها تولاّه إمام المسلمين - وهو في ذلك العهد سيّدنا أبو بكر رضي الله عنه - يصرف لمصالح المسلمين ، وفي مقدمتها نفقة أهل بيته صلّى الله عليه وسلّم ثمّ عمّاله وفقراء المهاجرين ومساكين المؤمنين كما عمل به في تلك الأرض سيّدنا رسول الله صلّى الله عليه وسلّم في عهده . ولأجل هذا الحديث اقتنعت السيّدة فاطمة بحكم أبي بكر رضي الله عنهما المذكور .

         والذي أوجب علينا التعجّب والتساؤل عنه أن علماء الشيعة ادّعوا على السيّدة فاطمة في مسألة فدك أنها هي التي طالبت أبابكر وحدها ، مع أنّ الوراثة عند فرض وجودها لم تكن لها وحدها . فلماذا لا يذكرون العبّاس عمّ رسول الله صلّى الله عليه وسلّم أو أزواجه ؟ وكيف يُلْصِقُوْنَ الدعوى على الزهراء الطاهرة رضي الله عنها وهم يدّعون بأنهم يحبّونها . وكيف يرمونها بكلمة الحقد والعداوة والشقاق الشديد والترويع للغير ومطالبة الوراثة والخلافة والوصيّة بأن لا ينظر إليها ولا يصلّي عليها أحد حين الوفاة .

         أفلا يقرءون  كتب أهل السنّة التي مُلِئَتْ بإقرار الصحابة رضي الله عنهم وشهادتهم بأنّ لها الأخلاق الكريمة وطيب الكلام والعفو والسماحة ولم يحصل لديها طمع في المال ولا في الجاه ، بل دعت إلى الله أن يجعلها في زمرة المساكين ، كما دعا أبوها صلّى الله عليه وسلّم وورثت من أبيها بحظّ وافر الأخلاق الكريمة والسمات الفاضلة .

         فكان الصحابة رضي الله عنهم يحبّونها ويحترمونها كما أقرّ به أبو بكر الصدّيق رضي الله عنه ، فقال : وَاللهِ لَقَرَابَةُ رَسُوْلِ اللهِ صلّى الله عليه وسلّم أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ قَرَابَتِيْ .

        ولْيَعْلَمْ القارئ أنّ عطاء سيّدنا أبي بكر لأهل البيت النبويّ أكثر وأضخم من محصولات أرض فدك . فلذلك  كانت الصلة بين سيّدنا أبي بكر رضي الله عنه والسيّدة فاطمة طيّبة . والعلاقة بينهما وثيقة ، بل كانت علاقة السيّدة فاطمة مع زوجته أسماء بنت عميس علاقة الأخت مع شقيقها . وأوصت قبل وفاتها بأن تتولّى غسلها السيّدة أسماء رضي الله عنها .

         وهناك أمثلة أخرى للقصص المفتراة كقول الشيعة : أن السيّدة فاطمة حصل لديها غلّ وحنق لأبي بكر في مسائل كثيرة ككونه خليفة المسلمين يبايعونه دون زوجها عليّ كرّم الله وجهه . وكقولهم بعد مبايعة المسلمين أبا بكر : أنّها تتردّد على رؤساء القبائل تطلب منهم المساعدة والتأييد لزوجها عليّ كرّم الله وجهه . وكقولهم أنها لا تبايع أبا بكر حقدا وحنقا له ، لأنه اغتصب حقّ زوجها عليّ في الخلافة . وكقولهم أن موتها بسبب الحنق والإمتعاض على اغتصاب أبي بكر لأموالها من أبيها . وكقولهم أنّها أوصت أن لا يصلّي عليها أحد من الصحابة لاسيّما أبو بكر رضي الله عنه .

         كلّ هذه الأقوال لاشكّ بأنها تُـهمٌ ألصقوها بالسيّدة فاطمة الزهراء وفتنة كبيرة لا تكفرها إلا التوبة الصادقة بالنطق بالشهادتين وكثرة الإستغفار . ولاشكّ أن المعايب التي أثبتوها للسيّدة فاطمة مخالفة تماما لشمائلها المحمّدية ، فإنّها رحيمة وصولة بالمسلمين سموح لهم فضلا عن أكابر أصحاب أبيها صلّى الله عليه وسلّم ، تطبّق ما علّمه الله في القرآن العظيم ، وهو هذا الدعاء : رَبنّاَ اغْفِرْ لَنَا وَلإخْوَانِنَا الَّذِيْنَ سَبَقُوْنَا بِالإِيْمَان وَلاَ تَجْعَلْ فِيْ قُلُوبِنَا غِلاًّ لِلَّذِيْنَ أمَنُوا رَبَّنَا إنَّكَ رَؤُفٌ رَّحِيْمٌ  (سورة الحشر : 10) .

هكذا ما كان من القصص الشيعيّة المفتراة التي إذا دقّقناها كلّ التدقيق لعلمنا أنها أخبار في تحقير السيّدة فاطمة رضي الله عنها .

         ومن القصص الشيعيّة المفتراة : أنّ السيّدة فاطمة سقط جنينها قبل تسعة أشهر ، لأن سيّدنا عمر وغيره من الصحابة قد دقّوا باب بيتها بقوّة ليدخلوه فيحملوا زوجها عليّا على بيعة أبي بكر رضي الله عنه .

        هذه القصّة تعمّدوا افتراءها بقصد إساءة سمعة سيّدنا عمر رضي الله عنه وبقيّة الصحابة الكرام . ولو كانت هذه القصّة واقعة لما سكت عليّ على فعل عمر المذكور  وَلاتَّخَذَ موقفا حازما من هؤلاء الصحابة رضي الله عنهم .

        والواقع أنّه  لا أثر يروى سنّيٌّ ولا شيعيٌّ أن سيّدنا عليّا اتخذ موقف الغيرة ومعاقبة من أسقط حمل زوجته الزهراء . فهذه القصّة من غير ريب لا تقبلها أمانة أهل السنّة والعلميّة ، لأن مفادها أن سيدنا عليّا غير قائم بواجب تأمين زوجته ، وأن عليّا رجل خوّاف جبان عديم الغيرة ، نعوذ بالله من هذه النتائج الذميمة .

        وبحمد الله يعتقد أهل السنّة والجماعة منذ قديم الدهر إلى نهايته أنّ سيّدنا عليّا سيف الله المسلول أسد المعارك وفارس الميادين شجاع في أتمّ معنى الكلمة ، ولا يخاف لومة لائم ، رضي الله عنه وعن جميع الصحابة وأهل البيت الكرام . 

        ومن عقائد الشيعة الأساسية أنّ رسول الله صلّى الله عليه وسلّم قد أوصى لسيّدنا عليّ كرّم الله وجهه بأن يكون خليفة من بعده

        أيها القارئ العزيز .

        إنّ هذه القصّة بلا شكّ تفيد أنّ عليّا عصى ولم يعمل بوصيّة وأمْرِ رسول الله بأن يكون خليفة من بعده بل إنّه بايع أبا بكر رضي الله عنه للخلافة .

        وأيضا تفيد أنّ عليّا رضي الله عنه عصى ولم يعمل بوصيّة رسول الله صلّى الله عليه وسلّم ، لكنّه أطاع وعمل بوصيّة أبي بكر في مبايعة سيّدنا عمر رضي الله عنه . وهكذا عصى ولم يعمل بوصيّة رسول الله ، لكنّه أطاع وعمل بوصيّة سيّدنا عمر رضي الله عنه في ترشيحه للخلافة مع بقيّة أهل الشورى الستّة .

        هكذا النتائج اللازمة لتلك القصّة المفتراة ، وهي تنقيص لسيّدنا عليّ كرّم الله وجهه. وسنبحث عن تلك القصّة بترجمة خاصّة فيما بعد . فتلك أمثلة للقصص الشيعيّة المفتراة في أهل البيت جعلوها عقيدة لهم ينتحلون بذلك حبّ أهل البيت . وهذا مطابق لما ذكره رسول الله صلّى الله عليه وسلّم لسيّدنا عليّ كرّم الله وجهه من ظهور الرافضة فيما بعد .

         ففي رواية للدّارقطنيّ أنّ عليّا سأل رسول الله صلّى الله عليه وسلّم عن علامة الرافضة ، فقال رسول الله : يَنْتَحِلُوْنَ حُبَّ أهْلِ الْبَيْتِ وَلَيْسُوْا كَذَلِكَ ، وَعَلاَمَةُ ذَلِكَ أنَّهُمْ يَسُبُّونَ أبَا بَكْرٍ وَعُمَرَ . رواه الدارقطنيّ .

حفظنا الله وسلّمنا من تلبيس الشيعة ومكيدتهم . آمين