الإمام عليّ كرّم الله وجهه

            

إنّا نعتقد أنّ الكتابة حول مناقب السيّدة فاطمة الزهراء لم تكن تامّة حتّى تكتمل بذكر مناقب زوجها الإمام عليّ كرّم الله وجهه ، فنرى لزاما هنا أن نكمّل هذه الرسالة بذكر شيء من مناقبه العليّة .

الإمام عليّ كرّم الله وجهه هومكفول رسول الله صلّى الله عليه وسلّم وختـنه،  وزوج فاطمة رضي الله عنها ووالد الحسن والحسين سيّدَيْ شباب أهل الجنّة . وهو ابن أبي طالب بن عبد المطلب أحد أعمام الرسول صلّى الله عليه وسلّم وكافله ، فلأبي طالب آثار حسنة لرسول الله صلّى الله عليه وسلّم لاسيّما في الدفاع من أذى كفّار قريش . والحق أنّ اسم أبي طالب عبد مناف ، ولكن لمّا كان أوّل أولاده مسمّى بطالب كُنِيَ به واشتهر به في النداء . وهذه التكنيّة مشعرة بأنّه والد طالب .

وأمّا أمّه ففاطمة بنت أسد رضي الله عنها وهي من المهاجرات إلى المدينة ومن حاضنات النبي صلّى الله عليه وسلّم . فمن المعلوم أنّه لمّا توفّيت السيّدة آمنة رضي الله عنها أمّ الرسول صلّى الله عليه وسلّم وهو ابن ستّ كفلته وحضنته فاطمة بنت أسد بدلا من أمّه ، فلذلك حزن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم حزنا شديدا عند موتها ، لأنّها كانت حاضنة له .

وقد وقعت من رسول الله صلّى الله عليه وسلّم حين دفنها حادثة لم تعرف له قبل ، وهي أنّه صلّى الله عليه وسلّم نزل إلى قبرها فاضطجع عندها ثمّ دعا لها بالسلامة والأمن من ضغطة القبر . فهذه هي فاطمة بنت الأسد رضي الله عنها أمّ الإمام عليّ كرّم الله وجهه . وكان قبرها في بقيع تتابع الناس لزيارتها الآن .

وكان الإمام عليّ كرّم الله وجهه كما في كتب السير التي كتبها علماء السنّة معروفا بأنّه رجل شجاع ملازم بصحبة الرسول صلّى الله عليه وسلّم  ومجاهد ترتعد منه قلوب أعدائه ، قد صرع على شجعان الكفار كعمرو بن أبي ودّ  ومرحب من أهل خيبر وغيرهما من أشدّاءهم الذين لا يحصى عددهم .

وأمّا أحواله اليوميّة فكان الإمام عليّ رجلا ورعا عابدا شهدت بذلك السيّدة عائشة رضي الله عنها ، وقالت : إِنَّ أَحَبَّ الرِّجَالِ إِلَى النَّبِيّ صلّى الله عليه وسلّم زَوْجُ فَاطِمَةَ الزَّهْرَاء . وهو بإقرار عائشة أنّه رجل عابد يحبّ الصلاة والصوم . وهو أيضا رجل عالم متبحّر في أنواع العلوم . قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم أَنَا مَدِيْنَةُ الْعِلْمِ وَعَلِيٌّ بَابـُهَا . ومع تلك الصفات العليّة فإنّ عليّا كرّم الله وجهه من أهل بيت الرسول صلّى الله عليه وسلّم الذين طهّرهم الله حقّ التطهير ، قال الله تعالى : إنَّمَا يـُرِيْدُ اللهَ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيـُطَهِّرُكُمْ تـَطْهِيْرًا 

 (الأحزاب : 33) .

فلعليّ كرّم الله وجهه فضل اختصاص من الله على جهتين كونه من أهل البيت المطهّرين وكونه من أصحاب الرسول صلّى الله عليه وسلّم المهديّين ، لأنّه من عداد أهل البيت ومن عداد الصحابة أيضا .

وهو رجل يحبّه الله ورسوله ويحبّه المؤمنون كلّهم . وهذا مؤيّد بقرار الرسول صلّى الله عليه وسلّم في وقعة خيبر حيث قال ليلتها : لأُعْطِيَنَّ الرَّايَةَ غَدًا لِرَجُلٍ يُحِبُّ اللهَ وَرَسُوْلَهُ وَيُحِبُّهُ اللهُ وَرَسُوْلُهُ . فلمّا أصبح الناس دفع الرسول الراية عليّا كرّم الله وجهه ، وهو رجل شجاع يخاف منه الأعداء .

وأخرج البخاريّ حديثا أنّ رسول الله صلّى الله عليه وسلّم يقول له : أَنْتَ مِنِّيْ وَأَنَا مِنْكَ . رواه البخاريّ . ويقول أيضا : لاَ يُحِبُّكَ إلاَّ مُؤْمِنٌ وَلاَ يُبْغِضُكَ إِلاَّ مُنَافِقٌ . رواه مسلم والترمذيّ .

وكان رسول الله صلّى الله عليه وسلّم يجلس مع أصحابه رضي الله عنهم ذات يوم في المسجد ويضيق بهم المكان كاد أن لا يجد من تأخّر منهم سعة وهم يستمعون كلام النبيّ صلّى الله عليه وسلّم في الوعظ والتذكير بالخضوع والخشوع كأن الطير واقفة على رؤوسهم . وهذه هي أخلاق الصحابة مع رسول الله التي تلقُّوها منه .

فبينما هم على ذلك ، اذ طلع عليّ كرّم الله وجهه وقد تأخّر عن الحضور ، فطلب سعة في المجلس فلم يجدها لضيقه . وبينما عليّ  ينظر  يمينا وشمالا ولم يجد سعة، إذ زحف أبو بكر الصدّيق رضي الله عنه عن مجلسه وهو جالس بقرب رسول الله صلّى الله عليه وسلّم ، وأشار إلى عليّ كرّم الله وجهه ليجلس بينه وبين الرسول صلّى الله عليه وسلّم ، فالتفت صلّى الله عليه وسلّم إلى أبي بكر وقال له : لاَ يَـعْرِفُ الفَضْلَ لأَهْلِ الْفَضْلِ إِلاَّ أَهْلُ الْفَضْلِ .

فتلك أحوال الصحابة يتراحمون بينهم ويحترم بعضهم بعضا . والدليل على ذلك ما تقدّم من إيثار أبي بكر الصدّيق عليّا رضي الله عنهما على نفسه في الجلوس بقربه صلّى الله عليه وسلّم ، فلم يضيّق عليه في الجلوس بل كان يقدّم عليّا في الجلوس بقربه صلّى الله عليه وسلّم .

فهذا دليل على أنّ موقف الصحابة بعليّ رضي الله عنهم موقف عدل واحترام يعظّم بعضهم بعضا . فلهذا لا نوافق ولا نسلّم على مزاعم الشيعة الذين يحبّون إشاعة الأخبار الكاذبة التي توهّم أنّ موقف عليّ مع الصحابة موقف حقد وعداء ، لأنّ تلك المزاعم ليس لها حجّة قويّة ولا شاهد صادق . وإنّما يريد الشيعة بها انتقاض الصحابة واحتقارهم . والحقيقة أنّ مؤدّاها تحقير وتنقيص لكرامة عليّ كرّم الله وجهه .

لقد صدق رسول الله صلّى الله عليه وسلّم في قوله : إِنَّهُ سَيَكُوْنُ بَعْدَهُ قَوْمٌ كَأَنَّهُمْ يُحِبُّوْنَ عَلِيًّا فِي الظَّاهِرِ ، وَلَيْسُوْا عَلَى ذَلِكَ ، وَعَلاَمَتُهُمْ سَبُّ أَبِيْ بَكْرٍ وَعُمَرَ رضي الله عنهما . فلو كان حبّهم لعليّ كرّم الله وجهه صادقا لأطاعوه ولاتّبعوه ، ولكنّهم ما اتّبعوه وما أطاعوه بل يحبّون مخالفته قولا وفعلا وسنّة . مثل مبالغتهم في عقد ذكرى يوم عاشوراء ، فهم مخالفون فيها ما شرعه عليّ كرّم الله وجهه . وسنبحث عن يوم عاشوراء بعُنْوَانٍ خَاصٍّ فيما يأتي .

ومن خواص عليّ كرّم الله وجهه أنّه لم يسجد لصنم قطّ منذ صغره ، فلهذا كثيرا مّا زاد العلماء عند ذكر اسمه الشريف كلمة " كرّم الله وجهه " واختصروها في كتبهم بالكاف والواو .

وولد عليّ كرّم الله وجهه كما في كتب التاريخ في جوف الكعبة ، كانت أمّه حين وقفت قريبة منها أحسّت بخروج ما في بطنها ، فدخلت الكعبة فولد لـها ذكر تسمّيه حيدرة ، ثم غيّره أبوه فسمّاه عليّا .

والمؤرّخون يُثبتون أنّ وفاته في الكوفة ضربه بالسيف رجل من الخوارج الذين كانوا شيعة عليّ ، اسمه عبد الرحمن بن ملجم . والأسف أنّ قبره مجهول لا يعرف الناس موضعه بالتحقيق ، بل أخفاه أهله خوفا من نبش الخوارج  لقبره لو وجدوه ، وحذرا من أتباع ابن سباء الشيعيّين الذين يقدّسونه ويمجّدونه فوق كلّ شيء ، بل قد يتخذه بعضهم إلها يعبدونه .

ومن الأمر الغريب اعتقادهم أنّ قبره في نجف من العراق . والحال أنّ المسافة بين الكوفة ونجف تبلغ سبعين كيلو مترا ، ولا يمكن حينئذ أن تحمل جنازته إلى نجف لِبُعْدِهَا من الكوفة واحتياجه إلى مدّة طويلة ، فيستحيل عادة أنّ القبر الذي زعموه فيه هو قبر عليّ كرّم الله وجهه .

ولو كان ذلك القبر المدّعى به عندهم قبره حقّا لكان أوّل من علمه ذريّته من السادة الحبائب ، ولكن لم يكن أحد منهم يقول به . وأكثر العلماء يقولون أنّ ذلك القبر قبر المغيرة بن شعبة ، ثمّ غيّره أتباع ابن سباء حتّى صار كأنّه قبر عليّ كرّم الله وجهه . ندموا على قتلهم عليّا كرّم الله وجهه فصنعوا قبرا ادّعوه أنّه قبر عليّ فعظّموه حقّ التعظيم وجعلوه مكان توبتهم سترا على جرائمهم ، وهم في ذلك كله كاذبون . ثم لتأييد مذاهبهم وعقائدهم وضع علماءهم أحاديث مكذوبة مفتراة على سيّدنا جعفر الصادق رضي الله عنها.